الحمير لا تصعد السلالم

إذا كنت موظفاً..وإذا كنت تثق بقدراتك وإمكاناتك، وإذا كنت تطمح يوماً ما في الحصول على ذلك اللقب السحري «الموظف المثالي» فأنت في ورطة حقيقية، لأن المثالية التي تعرفها صارت مفهوماً مُتحفياً بعد أن ارتدت حلة حديثة، تماشياً مع مبادئ العولمة، واقتصاد السوق، وعقلية المحافظين الجدد، لذلك إذا كنت تتصور أن طريقك إلى لقب الموظف المثالي يقتصر على التفاني في العمل، وأداء المهام الوظيفية على أكمل وجه، فأنت إذاً واهم، وعليك مراجعة أفكارك واكتشاف سر تخلفك عن ركب الحضارة والتقدم، فحسب بعض الدراسات العالمية يمثل المظهر الخارجي وطريقة اللبس 30 بالمئة من أسباب حصول الموظف على ترقية أو وظيفة أفضل في حين لا يتجاوز تأثير الأداء الفعلي في العمل نسبة 10 بالمئة فقط، فسوق العمل لها قوانينها التي لا تختلف عن قوانين الأسواق الأخرى، حيث تروج بعض السلع دون غيرها فقط لطريقة عرضها حتى لو كانت أقل جودة من مثيلاتها.
لذلك لا تندهش حين ترى زميلك في العمل يهتم بتصفيف شعره وبالحديث عن إنجازاته وإنجازات أسلافه أكثر مما يجلس على مكتبه، ولا تستغرب إذا اكتشفت أنه قد ينسب بعض ما تنجزه أنت من أعمال إلى نفسه، ولا تتعجب حين ترى أذنيه وعينيه وقد تحولت إلى أجهزة استشعار عن بعد لتنقل كل كبيرة وصغيرة إلى رب العمل بطريقة إبداعية تعتمد الحذف والإضافة، وذلك حرصاً منه على المصلحة العليا للعمل بالطبع، وأخيراً لا تشعر بالصدمة إذا ما حاز ذلك الزميل لقب الموظف المثالي أو جاءته الترقية لترفعه درجات وتهوي بك أنت إلى حضيض الرسوب الوظيفي، فكل شيء ممكن طالما أنك تجهل قواعد التفوق الوظيفي، وتمنح جل اهتمامك للعمل بعيداً عن المظاهر أو الترويج الذاتي أو العلاقات العامة، وهي العوامل ذاتها التي يتوقف عليها لقب «الموظف المثالي»، أما ذلك الموظف الذي يعمل كثيراً، وينال قليلاً فقد اختارت له دراسة أمريكية أخرى لقباً آخر غير أنه ليس محبباً في مجتمعاتنا، وهو لقب «donkey»، أي الحمار، واللقب في حد ذاته لا يحمل أي إساءة بقدر ما يحمل من التوصيف الدقيق لحالة الموظف الذي يتسم بقوة التحمل والصبر والطاعة وكثرة العمل دون شكوى أو تذمر، مكتفياً بحصته المحدودة من «العلف» أو الراتب المتدني على أمل أن ينال تقدير صاحب العمل يوماً ما.
لكن ما يجعل هذا اللقب أكثر دقة هو عدم إدراك صاحب اللقب لحقيقة أن الحمير لا تجيد الصعود على السلالم، فبديهي أن يظل الحمار في أسفل السلم الوظيفي، وبديهي أيضاً أن ينظر صاحب العمل من أعلى السلم فلا يرى أمامه سوى الثعالب والكلاب والقطط تتقافز حوله، بينما يظل الحمار بعيداً عن الأنظار، حتى إذا أصدر أي صوت للتنبيه يتضايق الجميع، ويشعر صاحب العمل بالانزعاج الشديد لتردد النهيق في المكان الذي يتولى قيادته، فيصدر أوامره الفورية بمعاقبة الحمار، أو إحالته إلى التقاعد، لذلك إذا كنت تعاني في عملك من مشاكل شبيهة فعليك أن تتحسس أذنيك من حين لآخر، وتراقب مدى استطالتهما كل صباح.
منشورة في جريدة “الرؤية الإقتصادية” 9 يونيو 2010
|